« عودة
الرحمة » ع
[2008-03-22]

سلسلة خطب أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-

 

الخطبة الثانية

الرحمة(1)

15/صفر/1429هـ الموافق لـ 22/شباط/2008م

   

    الحمد لله ثم الحمد لله.. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.. الحمد لله نحمده.. ونستعينه ونستهديه ونستغفره.. ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له.. ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا..ً يا باسط الأرض ورافع السماء.. يا منزل الغيث ورافع البلاء.. يا مجيب المضطرين في السراء والضراء يا سميع الدعاء.. يا من أحاط علمه بدبيب النملة السوداء.. على الصخرة الصماء.. في دياجير الظلماء.. يا من من فيض جوده الوجود والنعماء.. يا حكيماً حارت في حكمته عقول الحكماء.. لك الحمد والثناء.. والجد والسناء.. والقدم والبقاء.. والعظمة والكبرياء.. سبحانك لانحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.. عز جارك.. وجل ثناؤك.. ولا إله غيرك.. ولا خير إلا خيرك.. ولك العتبى حتى ترضى.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

   وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد.. الفرد الصمد.. الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.. وأشهد ان سيدنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله.. وصفيه وخليله وخيرته من خلقه.. أرسله بالحق بشيراً ونذيراً.. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.. أرسله على فترة من الرسل.. ودروس من السبل.. فهدى به بعد الضلالة.. وأرشد به بعد الحيرة.. فتح به آذاناً صماً.. وأعيناً عمياً.. وقلوباً غلفاً.. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.. وعلى آله الطيبين الطاهرين.. وصحابته الغر الميامين.. والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

   أما بعد عباد الله.... أوصيكم ونفسي الخاطئة المذنبة بتقوى الله.. وأحثكم على طاعة الله.. فاتقوا الله عباد الله.. اتقوا الله تعالى في السر والنجوى.. اتقوا الله تعالى في أنفسكم وأهليكم وأموالكم وأولادكم وتجاراتكم.. اتقوا الله تعالى بالخوف منه والوقوف عند حدوده.. اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.. (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً*يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً).

    أيها الإخوة المؤمنون.. ابتدأنا الكلام في أخلاق المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-.. ووعدنا أن تكون الخطب مفصلة.. كل خطبة في خلق من أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. ونظرت وتفكرت بماذا نبتدئ؟.. ماهو الخلق الأعظم؟.. ما هو الخلق الأشهر من أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-؟.. ربما نتحدث عن الصدق.. ربما نتحدث عن الأمانة.. ربما نتحدث عن الوفاء بالوعد.. ربما نتحدث عن الحلم.. ربما نتحدث عن العفو والمغفرة.. ربما نتحدث عن الكرم والجود.. ولكنَّ ثمة خلقاً عظيماً من أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. عرَّفه الله تبارك وتعالى به.. وجعله عنوان رسالته.. وهو الرحمة.. فنبتدئ بالرحمة إن شاء الله تبارك وتعالى.. ولا شك أن كل واحد منا يحفظ قول الله تبارك وتعالى في نبيه ومصطفاه -صلى الله عليه وآله وسلم-: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).. فحصر الله تبارك وتعالى الغاية من الرسالة بالرحمة.. (وما أرسلناك إلا): نفي وإثبات يفيد القصر والحصر..أي أن الغاية القصوى من رسالة المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- إنما هي الرحمة.. (وما أرسلناك إلا رحمة).. رحمة لمن؟.. وسَّع الله تبارك وتعالى بهذه الآية المجال لكل ما خلقه ليدخل في عموم هذه الرحمة.. فقال سبحانه: (للعالمين).. ما قال للإنس.. وما قال للمؤمنين.. وماقال وما أرسلناك إلا رحمة للإنس.. أو للإنس والجن.. وإنما قال (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).. وسنتبين -إن شاء الله تبارك وتعالى- بعض مظاهر هذه الرحمة العامة.. لأن أخلاق الرحمة أخلاق واسعة.. منها مثلاً الرحمة بالصغار.. الرحمة بالكبار.. الرحمة بالمرضى.. الرحمة بالضعفاء والمساكين.. الرحمة بالعصاة والمذنبين.. الرحمة بالجهال والمتعلمين.. الرحمة بالكفار والمعتدين.. لذلك قال سبحانه وتعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).. من أسماء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (نبي الرحمة).. في حديث صحيح أخرجه الإمام مالك في الموطأ وختم به الموطأ قال -عليه الصلاة والسلام-: (أنا محمد وأنا أحمد وأنا المقفي وأنا الحاشر وأنا نبي الرحمة وأنا نبي الملحمة).. فمن أسمائه -صلى الله عليه وآله وسلم-: (نبي الرحمة).. هذا تعريف له  -صلى الله عليه وآله وسلم- وتمييز له عن غيره من سائر الأنبياء والمرسلين.. وقد ورد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في أحاديث أخرى: (إنما أنا رحمة).. وذلك لما سأله أصحابه أن يدعو على المشركين.. طلب منه أصحابه في مواقف متعددة أن يدعو على المشركين.. منها في مكة بعد رجوعه -صلى الله عليه وآله وسلم- من الطائف وقد نزل عليه جبريل ومعه ملك الجبال يسأله إن شاء أن يطبق عليهم الأخشبين: جبلان يحيطان بمكة.. فأبى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك.. ومنها في غزوة بدر.. قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً).. وفي حديث أخرجه الإمام مسلم في الصحيح: (إنما أنا رحمة).. وفي حديث آخر أخرجه الإمام البيهقي والطبراني: (إنما أنا رحمة مهداة).. زاد لفظ الهدية.. وصف الهدية.. أهداه الله تبارك وتعالى للأمة.. أهداه الله تعالى للبشرية قاطبة.. لا شك أنه قد جرى بين النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأعدائه ملاحم وحروب.. وأن قريشاً في مكة واليهود في المدينة المنورة وسائر العرب بعد ذلك قد نصبوا العداء للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وآذوه بكل وسائل الأذى.. وأنهم قد راموا القضاء على هذا الدين.. فما هو موقف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أمام أعدائه؟.. بعض الناس يقول: لايجوز الدعاء على الكفار وبخاصة في هذه الأيام.. هناك من ينادي بالتقارب.. فيقول: الإسلام دين محبة.. الإسلام دين رحمة.. الإسلام دين تسامح.. وهذا حق لا مرية فيه.. وصواب لا شك فيه.. فنحن لا ندعوا على كل أحد.. ولسنا مغرمين بالدعاء على الناس.. ولا يفيدنا هلاك البشرية شيئاً.. وقد بين لنا الله تبارك وتعالى بعض الحقائق في القرآن الكريم إذ قال: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين).. هذا يعني أن الدين لا يؤخذ بالأغلبية.. أن الإيمان بالله تبارك وتعالى لا يتبع بالأكثرية.. فرأي الأكثرية لا اعتبار له.. إنما يعتبرمن وافق الحق.. فلذلك كان سيدنا علي -رضي الله تعالى عنه- يقول: (لا تعرف الحق بالرجال ولكن اعرف الحق تعرف أهله).. أي إذا أردت أن تعرف الحق لا تنظر إلى عدد المتمسكين به فتقول هؤلاء أكثر فتتبع الحق عند ذلك.. ولكن انظر إلى الحق في أدلته.. في وضوحه وجلائه.. ثم بعد ذلك  ميزه.. واتبع من يتبع الحق بعد ذلك.. لذلك قال تبارك وتعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين).. وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري وغيره: (إنما أنتم في الناس كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض) هذه النسبة.. نسبة المؤمنين إلى الكافرين.. وفي مرة من المرات قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- : (يدخل النار من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون) ففزع الصحابة لذلك وقالوا يارسول الله من منا ذلك الواحد؟ فقال: (منكم واحد ومن يأجوج ومأجوج تسعمئة وتسعة وتسعون).. فإذاً لا شك ولا ريب أن الكفر موجود.. وأن أعداء الله تبارك وتعالى لا بد أن يسوموا المسلمين الأذى والهوان إلى قيام الساعة.. والنصر للمسلمين بين الفينة والأخرى.. والضغف امتحان وابتلاء من الله تبارك وتعالى.. واختبار ليرجع المسلمون إلى الله تبارك وتعالى بالعبادة والطاعة.. وإلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بالمحبة والاتباع.. هذا امتحان ولكن ما موقفنا؟.. هل دعا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على أعدائه؟..  نقول: من لم يؤذنا.. ومن لم يمد إلينا يد العذاب.. من لم يقاتل المسلمين.. هذا لا شيء بيننا وبينه.. ندعوا له بالهداية.. ندعوا له أن يرده الله تبارك وتعالى إليه.. ويجعله من المؤمنين.. وأن يمن عليه بالإسلام والإيمان.. وكم رأينا من الناس في بلاد الشرق والغرب ممن مضى عليه سبعون سنة في الكفر ثم تحول بعد ذلك إلى الإسلام.. ولايزال الناس يزدادون دخولاً في الإسلام يوماً بعد يوم.. بعض الإحصاءات تقول: يدخل الإسلام في الولايات المتحدة الأمريكية كل سنة خمسة وعشرون ألفاً!.. ولا شك أننا نربح المعركة الفكرية في ميدان العقيدة.. هذه المعركة الإسلام فيها هو الرابح.. وإن خسرنا بعض المعارك الجانبية على الأرض في العراق أوفي فلسطين فإلى مدة وإلى زمان وجيز إن شاء الله تبارك وتعالى.. الإمام البخاري بوب في الصحيح باباً قال فيه: باب جواز لعن المشركين والدعاء عليهم.. هذا باب من أبواب الجامع الصحيح للإمام البخاري.. وقد ثبت في الصحيح أيضاً أن النبي -عليه الصلاة والسلام- (دعا على رعل وذكوان وعصية).. وهي قبائل من قبائل العرب وفيهم النساء وفيهم الشيوخ وفيهم الأطفال.. لأنهم قتلوا سبعين من القراء في سرية بئر معونة.. غدروا بهم وكان قد أرسلهم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ليعلموا العرب القرآن والسنة والحلال والحرام.. فقتلوهم جميعاً عن آخرهم.. فدعا النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على رعل وذكوان شهراً في القنوت.. ولكن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يدعوا على الكفار انتصاراً للإسلام لا انتصاراً لنفسه.. هذا ما نريد أن نعلمه.. يعني الواحد منا إذا ناله ظلم في نفسه ينبغي أن يتحمل ذلك.. لا ينبغي أن يكون دعاؤك على الكفار انتقاماً لنفسك.. النبي -عليه الصلاة والسلام- جاء في صفته: (ما انتصر لنفسه من مظلمة ظلمها قط).. ما انتصر لنفسه -صلى الله عليه وآله وسلم- على الإطلاق.. إذا آذاه قومه كان يدعوا لهم بالهداية.. لكن إذا آذوا المسلمين كان يدعو على الكفار.. وقد ورد ذلك في مواطن عديدة.. كغزوة حنين        -على سبيل المثال- وغير ذلك مما جاء في الصحيح الثابت عنه -صلى الله عليه وآله وسلم-..

    ووالله أيها الإخوة المؤمنون لو علم الكفار ما ينالهم من الرحمة بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لآمنوا به جميعاً -عود على بدء- (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).. هؤلاء الكفار الذين يؤذون المسلمين.. يحتلون بلاد الإسلام.. يقتلون المسلمين.. يشردون المسلمين في فلسطين.. في العراق.. في معظم بقاع الأرض حرب على الإسلام قائمة.. فالإسلام هو العدو الأول.. وهو أخطر عدو.. وقد اتفقت أمم الأرض على الإسلام والمسلمين.. ولكن لو يعلم هؤلاء الكفار أن الله تبارك وتعالى إنما يرفع البلاء عنهم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ورحمته لآمنوا به جميعاً.. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.. قال بعض المفسرين في تفسير ابن كثير وغيره في تفسير قول الله تبارك وتعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) وما كان الله ليعذبهم وأنت رسول فيهم.. أي مدة رسالة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. أي إلى قيام الساعة.. أي ما كان الله تبارك وتعالى ليعذب الكفار باستئصال شأفتهم وإن كان ربما ينزل العذاب بالكافرين بين الفينة والأخرى.. ببعض الكافرين.. ولكن الله تبارك وتعالى رحم الكافرين بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. لماذا هذا؟.. قال أولاً: لإعطائهم الفرصة بعد الفرصة.. وإتاحة الزمان لهم للرجوع إليه -صلى الله عليه وآله وسلم- والإيمان به والتصديق به-صلى الله عليه وآله وسلم.. ثم لإقامة الحجة عليهم يوم القيامة.. لتقام الحجة على الكفار يوم القيامة.. فالنبي        -صلى الله عليه وآله وسلم- رحمة للعالمين جميعاً.. للمؤمنين والكفار..

    هذه رحمته للكفارفي الدنيا أما رحمته للكفار في الآخرة فذلك هو حديث الشفاعة العظمى.. وهو حديث صحيح ثابت.. حديث الشفاعة العظمى في فصل القضاء.. عندما يبعث الناس من القبور.. وينبتون كما ينبت البقل كما جاء عنه -صلى الله عليه وآله وسلم-.. تدنو الشمس من الرؤوس.. في أرض المحشر.. ويغرق الناس في العرق من شدة الحر.. فمنهم من يغرق في عرقه إلى عقبيه.. ومنهم من يغرق في عرقه إلى ركبتيه.. ومنهم من يغرق في عرقه إلى خصره.. ومنهم من يبلغ العرق إلى كتفه.. ومنهم من يكاد يغرق.. والناس في فزع شديد.. والمؤمنون بمعزل.. المؤمنون الطائعون لله تبارك وتعالى بمعزل عن هؤلاء.. في ظل من رحمة الله تبارك وتعالى.. ألم يقل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث المتفق عليه عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)؟ فالمؤمنون بمنأىً عن ذلك.. ولكن عامة الخلق في بلاء.. يفزعون إلى سيدنا -آدم عليه السلام-.. يقولون: ألا ترى مانحن فيه؟.. أنت أبو البشر.. أنت نبي الله.. اختارك الله تبارك وتعالى وجعلك خليفة له.. وأنزلك إلى الأرض.. فيقول لست لها لست لها.. فيفزعون إلى نوح -عليه السلام-.. ثم يفزعون إلى إبراهيم.. ثم يفزعون إلى موسى.. ثم يفزعون إلى عيسى -عليهم صلوات الله وسلامه-.. وكل نبي يقول: لست لها لست لها.. فيفزعون إلى نبينا وحبيبنا نبي الرحمة سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.. فيقول أنا لها أنا لها.. أنا لها أنا لها.. فيسجد تحت العرش.. فيحمد الله تبارك وتعالى بمحامد يلهمه الله تعالى إياها في ذلك الموقف.. ولا يزال يثني على الله تبارك وتعالى ويحمده حتى يقال له: (يا محمد، ارفع رأسأك وسل تعط واشفع تشفع).. هذه الشفاعة العظمى في فصل القضاء.. تعم المؤمنين والكافرين.. تخلص البشرية جمعاء مما هم فيه من هول الموقف.. نسأل الله تبارك وتعالى السلامة والنجاة في ذلك الموقف.. ونسأله سبحانه أن يمن علينا بشفاعة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. وأن يرزقنا اتباعه في الأقوال والأحوال والأفعال.. إنه سميع قريب مجيب.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.. فاستغفروه فيا فوز المستغفرين أستغفر الله........

    الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر.. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق والبشر.. صلى الله عليه وعلى آله ما اتصلت عين بنظر.. وسمعت أذن بخبر.. عباد الله... اتقوا الله تعالى فيما أمر.. وانتهوا عما نهاكم عنه وزجر.. واعلموا أن الله تعالى أمركم بالصلاة على النبي في كتابه الكريم.. فصلوا عليه تكونوا من الفائزين.. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.. وعلى أل سيدنا محمد.. كما صليت وسلمت وباركت على سيدنا إبراهيم.. وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين.. إنك حميد مجيد.. وارض اللهم عن الصحابة والقرابة والتابعين وتابعيهم ومقلديهم بإحسان إلى يوم الدين.

   أيها الإخوة المؤمنون... أحب أن أذكر ببعض أحكام يوم الجمعة.. نستذكر حكماً حكماً إن شاء الله تبارك وتعالى من أحكام الفقه والعبادات والمعاملات في آخر الخطبة.. وأول ذلك التبكير إلى صلاة الجمعة.. أي أن نأتي إلى صلاة الجمعة في وقت مبكر قبل الأذان قدر المستطاع.. وهذا جاء في أحاديث متواترة بالمعنى عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- منها الحديث الذي أخرجه الإمام مالك والبخاري ومسلم عن سيدنا أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال : (من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح إلى الجمعة في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح إلى جمعة في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً، ومن راح إلى الجمعة في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح إلى الجمعة في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) هذه الساعات الخمس من الفجر إلى الأذان.. يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: (من أول البدع التي ظهرت فيما بين المسلمين ترك التبكير إلى صلاة الجمعة).. يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد ذلك: (فإذا خرج الإمام طويت الصحف ودخلت الملائكة تستمع).. على باب كل مسجد ملائكة تكتب أسماء الوافدين.. أنتم وفد الله تبارك وتعالى.. أنتم ضيوف الرحمن في بيته.. والجزاء والثواب -أي حق الضيف- من الله تبارك وتعالى إنما هو المغفرة.. (الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما لم تغش الكبائر).. الجمعة إلى الجمعة.. لا ينبغي أن نستهين بصلاة الجمعة.. مجيئك إلى صلاة الجمعة مبكراً.. وحضورك إلى الصلاة.. ورفع اسمك في هذا الديوان إلى الله تبارك وتعالى سبب من أسباب المغفرة لما يحدث من الجمعة إلى الجمعة من الصغائر.. لذلك قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (فإذا خرج الإمام طويت الصحف).. فينبغي إذاً أن نتعاهد على أن نبكر إلى صلاة الجمعة قدر المستطاع.. وأنا أختصر قدر المستطاع.. أنتم تبكرون إن شاء الله قدر المستطاع وأنا أختصر في الخطبة قدر المستطاع.. لو شئت أن أخطب ساعة وساعتين لفعلت.. ويعرف بعض إخواننا وأصحابنا أني أخطب باللغة الإنكليزية في أمريكا وفي بريطانيا وفي غيرها من الدول ربما نحو ساعة أو ساعتين.. ومن أراد سماع بعض الخطب على الإنترنت ربما يجد خطباً لي لساعة أو ساعة ونصف باللغة الإنكليزية.. هذا ليس شيئاً عسراً علي بالعربية.. ولكن أنا أختصر اتباعاً للسنة.. حتى يحفظ الإنسان هذه الفوائد وهذه الأحاديث وهذه الحكم.. وحتى نتأدب ونتعلم ونرجع بالعمل والتطبيق.. كل واحد يرجع إلى بيته بزاد من العمل والخشية والتطبيق واتباع السنة إن شاء الله تبارك وتعالى.. فنتعاهد إذاً على التبكير إلى صلاة الجمعة من وقت الأذان الأول قدر المستطاع..

   اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.. والمسلمين والمسلمات.. الأحياء منهم والأموات.. إنك يا مولانا سميع قريب مجيب للدعوات.. اللهم انصر الإسلام والمسلمين.. وأعل كلمة الحق والدين.. اللهم انصر من نصر المسلمين.. واخذل من خذلهم بقوتك وقهرك يا رب العالمين.. اللهم إنا نسألك إيماناً دائماً.. ونسألك يقيناً صادقاً.. ونسألك قلباً خاشعاً.. ونسألك علماً نافعاً.. ونسألك لساناً ذاكراً.. ونسألك شفاء من كل داء.. بخفي لطفك اللهم فرج الهم عنا وعن المهمومين.. ونفس الكرب عنا وعن المكروبين.. واقض الدين عنا وعن المدينين.. وفك أسر المأسورين.. وأحسن خلاص المسجونين.. وانصر الغزاة وأيد المجاهدين.. وأهلك أعداء المسلمين.. اللهم أعط  كل واحد منا سؤله على النحو الذي يرضيك عنا.. اللهم وفق ولي أمر المسلمين لما فيه خير البلاد والعباد.. وهيئ له بطانة خير تعينه على الحق وتدعوه إليه.. اللهم رد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً.. واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأصحاب الحقوق علينا.. وتقبل منا جميعاً برحمتك يا أرحم الراحمين.. أجب دعانا بكرمك يا مولانا والحمد لله رب العالمين..

  عباد الله.... (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون).