« عودة
علاج الغضب » ع
[2008-05-03]

 علاج الغضب

19/ربيع الآخر/1429هـ الموافق لـ 25/نيسان/2008م

 

   بعد أن بيَّنا صفة الغضب وأحوال النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- عند الغضب، وأن من علامته -صلى الله عليه وسلم- أنه يسبق حلمه غضبه، وأنه -عليه الصلاة والسلام- ما انتصر لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله -تبارك وتعالى-، فإذا انتهكت حرمات الله -تبارك وتعالى- لم يقم لغضبه شيء جاء دور الكلام على علاج الغضب... دواء الغضب.

   لا ينكر الواحد منا أن الغضب قد انتشر فيما بين الناس، ونراه قد سيطر على معاملات الناس وسلوك الناس، ولم يعد للواحد منا صبر على أمر من أمور الدنيا، ولم يعد لأحدنا تحمُّل لأخيه أو لولده أو لشريكه أو لجاره لذلك ينبغي علينا أن نبحث في هذا الغضب، من أين يأتي هذا الغضب؟..

   الغضب قوة نفسانية، صفة من صفات النفس، خلاف الأعراض العضوية التي تنتاب الإنسان كارتفاع الحرارة أو الإسهال أو الزكام.. هذه أعراض عضوية، لكن هناك أعراض نفسانية تصيب الإنسان فتغير من حاله، ويظهر أثر التغير في الأعضاء.. بعض هذه التغيرات اختياري وبعضها اضطراري.. أفعال الإنسان.. وحركات الإنسان تنقسم إلى أفعال اختيارية وأفعال اضطرارية.. فحركة القلب.. ونبض القلب حركة اضطرارية لا يد للإنسان فيها، ولا تحكم للإنسان بحركات قلبه.. بنبض قلبه.. لا يستطيع الإنسان أن يوقف قلبه بنفسه ولا أن يجعله يجري بسرعة أكثر أو بسرعة أبطأ، ربما يتحكم بالظروف المحيطة بذلك.. حركة المعدة والأمعاء حركة اضطرارية ليس للإنسان يد في السيطرة عليها، لكن حركة اليد حركة اختيارية.. حركة اللسان حركة اختيارية إن شاء أن يصمت صمت، وإن شاء أن يتكلم بهجر من القول تكلم، وإذا شاء أن يذكر الله -تبارك وتعالى- وأن يتلو القرآن ذكر وتلا.

   فإذا جئنا إلى هذه الأمور النفسية رأينا أن منها ما هو اختياري ومنها ما هو اضطراري أيضاً، فمن أمثلة الحركات الاضطرارية للنفس (الانفعالات النفسية): اصفرار الوجه عند الخوف: إذا خاف الإنسان ووجل يصفر وجهه، هل له يد في ذلك؟.. الجواب: لا يد له في ذلك.. الفزع عند الخوف: لا يستطيع الإنسان أن يتحكم به، لأنه شيء ينزل بالقلب ويحل في الفؤاد لا يد للإنسان فيه.. حمرة الخجل: إذا خجل الإنسان علت وجهه حمرة الخجل، لا يستطيع الإنسان أن يتحكم في ذلك، لأن هذا أمر اضطراري تدعوه إليه النفس.. بمجرد ما دخل المعنى إلى القلب تظهر علاماته على الأعضاء.

   أما الغضب فهو أمر اختياري لا اضطراري، لأن الإنسان يستطيع أن يتحكم فيه، يستطيع أن يصمت بدل الكلام، ويستطيع أن ينتظر، ويستطيع أن يسبِّح -الله تبارك وتعالى-، ويستطيع أن يحلم وأن يغفر وأن يعفو.. إنما يسارع إلى الغضب، قد يظن أن الغضب اضطراري لمسارعته إليه، لكن الغضب أمر اختياري كما بينه علماء الاخلاق وعلماء النفس.. الإنسان إذا غضب ماذا يحدث له؟ قال: تحدث من الغضب حرارة -وهذا ينبغي ملاحظته- في الدم تجعل هذا الدم يتدفق في العروق، فترى الإنسان إذا غضب احمرت وجنتاه، وانتفخت أوداجه وهي العروق التي تضخ الدم إلى القلب ثم إلى الدماغ، وريدان.. وترى وجهه يحمرُّ.. من ماذا؟.. من الحرارة التي تعلو في الدم وترتفع فتظهر تغيراً في الأعضاء..

   إذا أردنا أن نتكلم عن علاج الغضب ودواء الغضب فينبغي لنا أن ننظر أولاً في أسباب الغضب وفي عوارضه.. وقد بين النبي -عليه الصلاة والسلام- لنا أن أصل الغضب حرارة في النفس.

   والنبي -عليه الصلاة والسلام- سبق علماء النفس بقرون عديدة في وضع أسس علم الأخلاق وأسس علم النفس، ومن جملة الأحاديث البديعة التي تشرح طبيعة الغضب وأحوال الناس عند الغضب حديث أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن، عن سيدنا أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (صلى بنا رسول الله صلاة العصر، ثم قام خطيباً فلم يدع شيئاً يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه (وفي هذا من الإشارات إلى ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الغيوب مما يكون إلى قيام الساعة)  وكان فيما قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون (والحديث طويل وفيه أشياء) ثم قال سيدنا أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- وكان فيما حدثناه يومئذ: (ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات، ألا وإن منهم بطيء الغضب سريع الفيء ( الفيء: الرجوع، أي الذي يرجع بعد غضبه ويحلم بسرعة)، ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك، ألا وإن منهم سريع الغضب بطيء الفيء، ألا وإن خيرهم بطيء الغضب سريع الفيء، وشرهم سريع الغضب بطيء الفيء، ألا وإن الغضب (والنبي -عليه الصلاة والسلام- هنا يعرف تأثير الغضب في النفس، ثم أثر النفس في الأعضاء، ولو جئت بعلماء النفس جميعاً، وأردت منهم وصف الغضب، كيف يتأصل في النفس ويبدأ، ثم كيف بعد ذلك يظهر على أعضاء الجسم لما أتوا بخير من ذلك ولا أجمل منه) ألا وإن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؟، فمن أحس بشيء من ذلك فليلصق بالأرض)..

   من هذا الأصل الذي عرفناه (وهو أن الغضب حرارة في النفس تولَّدُ حمرةَ الوجه وهيجانَ الدم وانتفاخَ الأوداج) نرى أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وضع العلاج بالرجوع إلى الأشياء الباردة.. العلاج بالضد.. علاج الحرارة بالبرودة.. والبرودة بالحرارة، والرطوبة باليبوسة، واليبوسة بالرطوبة، وهو الأصل الذي جرى عليه الأطباء المسلمون.. لذلك قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (فليلصق بالأرض)..

   إذا لصق الإنسان بالأرض يحس بمعنيين:

   المعنى الأول: معنى البرودة، وتعرفون أن الإنسان مثلاً  لما يكون في أمور الحياة يجري ويمشي ويجلس ويتحرك يحس بالدفء، يشعر بحرارة في الجسم تمنعه من الشعور بالبرد فإذا استلقى أو أراد النوم يبرد.. الواحد منا في النهار لا يتغطى لكن في الليل يتغطى، في الليل يحتاج إلى غطاء لأن حرارة الجسم في الليل تنخفض كما ذكر الأطباء، من هذه المعاني التي تسبب انخفاض حرارة الجسم أن يلصق الإنسان بالأرض.

   المعنى الآخر: وهو معنى مهم وعظيم جاء في أحاديث أخرى عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (إذا غضب أحدكم وكان قائماً فليجلس، فإذا كان جالساً فلينم) فأمره بالنوم تحصيلاً للبرودة التي تضاد الحرارة، ثم بعد ذلك ليعرف أنه خرج من الأرض، ليحس بالتواضع، ليعرف قدر نفسه، ليصغر في نفسه، سلطان الإنسان يكون أشد وأعظم إذا كان واقفاً والناس قعود.. يحس بالعظمة.. يحس بالعلو.. لكن إذا جلس يحس بالانخفاض والسكينة، فإذا استلقى أحس بضعفه وتواضعه، أحس بأنه من تراب وأنه يصير إلى تراب، وهذا معنى من أهم المعاني.

   وربما أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى معنى آخر بينه في حديث آخر: كلنا يعلم أن الغضب من الشيطان، وقد بين النبي -عليه الصلاة والسلام- ذلك فقال: (ألا إن الغضب من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أمر بالاستعاذة عند الغضب لأن الغضب من الشيطان.. وجاء في القرآن الكريم أن الشيطان خلق من نار: ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (لأعراف: من الآية12) لكن لما خلق الشيطان من نار وخلق الإنسان من تراب، كان التصاق الإنسان بالتراب سبباً للبعد عن أخلاق الشيطان، فيكون أشد بعداً عن الشيطان وأثره، لأنه يلتصق بالتراب الذي خلقه الله -سبحانه وتعالى- منه.. إذاً هما طبيعتان متضادتان.. طبيعة النار وهي طبيعة الشيطان.. أما الإنسان فقد خلق من طين، خلق من تراب، فكلما رجع إلى أصله وأحس بما خلق منه ونزل إلى أسفل والتصق بالتراب، كلما تواضع وابتعد عن طبيعة الشيطان، عن الطبيعة النارية التي تهيج الغضب.

   روى أبو داوود مرسلاً عن سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى- : (كان النبي -عليه الصلاة والسلام- بين أصحابه وأبو بكر معه، فقام رجل يسب أبا بكر -رضي الله عنه- ويشتمه، فلم ينتصر أبو بكر لنفسه، فوقع فيه مرة أخرى، فأعرض عنه، فوقع فيه مرة ثالثة، فانتصر أبو بكر لنفسه، فقام النبي -عليه الصلاة والسلام- من المجلس، فالتفت أبو بكر إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أوجدت علي؟ (أي: أغضبت مني؟) فقال: إنه كان معك ملك نزل من السماء يكذبه كل مرة، فلما انتصرت لنفسك قعد الشيطان، فما كنت لأجلس مع الشيطان).. إذاً هذا دور الشيطان في تهييج الغضب، دور الشيطان في السيطرة على طبائع الإنسان، وبخاصة الطبيعة النارية.. تعرفون أن من الإنسان من يكون بارداً ومن الإنسان من يكون مهتاجاً شديد الهياج، فالشيطان يستغل ساعة الهيجان ليلجئ الإنسان إلى مواطن وكلام وتصرفات يعتذر الإنسان عنها بعد ذلك ويندم عليها..

   إذاً، هذا هو أصل الغضب، حرارةٌ توقد.. نارٌ تتوهج.. لذلك جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال في أحاديث أخرى: (إذا غضب أحدكم فليتوضأ أو يغتسل، فإنه لا يطفئ النار إلا الماء).. وجاء في أحاديث أخرى عنه -عليه الصلاة والسلام-: (الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء) أو (فابردوها بالماء).. حتى الحمى الظاهرة يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- إن دواء الحمى: الإبراد بالماء، وهذا يعالجه الأطباء في هذا العصر وفي كل عصر قديماً وحديثاً.. من جملة علاج الحمى (ارتفاع الحرارة) الكمادات الباردة والثلج.. جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام- قديماً.

   وأنا أدلكم على معنى آخر، وهذا المعنى جربه بعض إخواننا وطلابنا في عدة بلاد: كان أحد الإخوان والطلاب في ولاية كاليفورنية قد مرض ابنه وارتفعت حرارته، وعجز الأطباء عن دواءه، وارتفعت حرارته ارتفاعاً شديداً، فقلت له: تصدق بالماء، لأن الإمام أبو سليمان الخطابي يقول في شرح هذا الحديث: قول النبي -عليه الصلاة والسلام- (الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء) يعني تصدقوا بالماء البارد، فكما أن الماء البارد يطفئ حرارة العطش للأحياء فببركته يطفئ الله تبارك وتعالى حرارة المريض، وقد جرب ذلك بعض إخواننا في كاليفورنية وفي مدن أخرى خلال السفر فنزلت حرارة المريض ورجع وشفي بعد أن عجز الأطباء، وأعيى الأطباء برؤه وعلاجه، فانظروا إلى حكمة النبي -عليه الصلاة والسلام-.. لذلك كان الناس أهل الخير والإحسان قديماً كانوا ينشؤون السبل.. السبلان، أي سبيل الماء لإطفاء حرارة الظمآن في الصيف، في حر الصيف القارظ..

   فمن هذا الباب يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إذا غضب أحدكم فليتوضأ).. الوضوء له معنيان:

  المعنى الأول: أنه سلاح المؤمن كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: (الوضوء سلاح المؤمن) والوضوء عبادة.. والوضوء طهارة.. ومع الوضوء تتساقط ذنوب الإنسان مع قطر الماء أو مع آخر قطر الماء.. كلما تساقط قطر الماء من أعضائه كلما تساقطت ذنوبه..

  المعنى الثاني: مع الوضوء يتبرد الإنسان.. تبرد أعضاؤه.. فيحس بسكون في أعضائه..

   أو يغتسل إذا كان غضبه شديداً وتوضأ ولم ينجع معه الوضوء يغتسل، والاغتسال له إنما يكون بالماء البارد.. وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- ذلك فقال: (فليغتسل بالماء البارد).. عين النبي -عليه الصلاة والسلام- بالماء البارد لا بالماء الحار، لأن الاغتسال بالماء الحار لا يفيده في مثل هذه الصورة، حتى تسكن الأعضاء وتبرد فيرجع بعد ذلك إلى طبيعته..

   هذا من أهم ما ينبغي أن نتنبه له عند علاج الغضب، البحث عن دواء له، معرفة أصله وسببه وما نشأ عنه، هذا يبين لنا معرفة النبي -عليه الصلاة والسلام- بأسس الأخلاق ووضعه لقواعد المعالجة النفسية.

   الآن إذا ذهبت إلى بلاد الغرب (في أمريكا مثلاً) هناك دورات تنظم للمعالجة النفسية، كي يتخلص الإنسان من الغضب.. ماذا يصنعون؟.. يدفع الإنسان فوق الخمسمئة دولار من أجل أن يدخل في دورة يتدرب فيها على ترك الغضب والتخلص منه!.. ماذا يقولون له؟.. يقولون له: اصمت... اسكت لا تتكلم.. يعلمونه الصمت.. هذا جاء في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إذا غضب أحدكم فليسكت).. ثم يقولون له: تنفس بعمق.. خذ نفساً عميقاً، يدربونه على ذلك أن يتحكم في شهيقه وزفيره.. بمعنى أن التحكم بالشهيق والزفير يخفض من سرعة ضربات القلب فعند ذلك يهدأ.. ثم يعلمونه بضع كلمات فمثلاً يقول: أنا هادئ.. (I 'm relaxed).. هكذا يدربونه!.. يردد هذه الكلمات حتى يحس بالمعنى.

   لكن في الإسلام عندنا أذكار.. في حديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة: (كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول لعائشة إذا غضبت كان يأخذ بأنفها ويقول لها: يا عويش، قولي: اللهم رب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن)..

   بمعنى أن يقول الإنسان: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. لا إله إلا الله.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. أي يردد الإنسان هذه الأذكار بهذه السكينة.. بهذا الهدوء.. بهذا التوجه إلى الله تبارك وتعالى.. يرجع إلى الله عز وجل.. يتذكر قدرة المولى سبحانه.. يتذكر عفو الله عز وجل ومغفرته.. يتذكر وقوفه بين يدي الله عز وجل.. يرجع إلى ضعفه بين يدي الله عز وجل.. لا بد أن يسكن غضبه..

   لأن الغضب ينشأ من شعور أحياناً بالغرور والكبر: فلان شتمني.. من أنت حتى تشتمني؟!.. ألا تعرف مقامي؟!.. أنا فلان أنا كذا أنا كذا.. فيغضب الإنسان.. لكن إذا أحس بذنبه.. من أنا؟ نعم أنا أشر خلق الله عز وجل.. أنا عبد مسرف مذنب.. أنا عبد عاص.. أنا عبد غافل عن الله -تبارك وتعالى-.. أنا أستحق هذه الشتيمة وأستحق مئة من مثل هذه الشتيمة.. إذا رجع إلى نفسه وعرف ضعفه وتقصيره بين يدي الله -عز وجل- يسكت.

   ثم إذا عرف معنى آخر: هذا الذي يشتمك.. هذا الذي يسيء إليك.. إنما هو عبد من عباد الله عز وجل.. قد أرسله الله تبارك وتعالى إليك ليعجل لك العقوبة في الدنيا.. كان السلف الصالح إذا أساء إليهم أحد أو شتمهم أحد كانوا يرجعون إلى أنفسهم ينظرون ماذا أذنبوا في حق الله عز وجل؟.. يقول بعض الصالحين: (أعرف المعصية في خلق زوجي)..إذا زوجه غضبت عليه يرجع إلى نفسه يقول أذنبت في حق الله تبارك وتعالى.. هذا الإنسان الذي يرجع إلى نفسه بهذه الصورة لا بد أن يسكن غضبه.. ولو شتمك الناس جميعاً أنت تستحق ذلك.. لا لأنك ابن فلان، بل لأنك عبد عاص.. لأنك غافل عن الله تبارك وتعالى.. فيسكن عند ذلك الغضب.

   ثم يذكر أنه يحتاج إلى عفو الله عز وجل.. يحتاج إلى مغفرة الله عز وجل.. فإذا غفر للناس غفر الله عز وجل له.. وإذا انتقم من الناس انتقم الله عز وجل منه.. فانظر ماذا تريد؟.. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الشورى في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (الشورى:37).. فإذا غضبت فاغفر للناس..

   هذه بعض المعاني التي يمكن أن تفيدنا في علاج الغضب.. والحديث طويل ربما يطول إلى الجمعة القادمة بإذن الله.. لكني أحب من كل واحد منا أن ينظر في نفسه.. كل واحد منا يرجع إلى بيته فينظر في أخلاقه.. وينظر في الدواء.. وينظر في الخطة.. خطة للتطور.. خطة للعمل.. إذا لم يكن يومك خيراً من أمسك فأنت في شر.. وإذا لم تحاول أن يكون غدك خيراً من هذا اليوم فأنت أيضاً في شر.. نحاول أن نتطور أنفسنا.. فلان يقول أنا أغضب.. فلان يقول أنا بخيل.. فلان يقول أنا لا أؤدي الأمانة.. فلان يقول أنا أكذب.. فلان يقول أنا أغتاب.. نحن نعرض لهذه الأخلاق النبوية من أجل أن نحاول أن نتمسك بها وأن نعالج المشكلات الاجتماعية المنتشرة فيما بيننا.. ومن أشد هذه المشكلات مشكلة الغضب.. لأنها تسبب طلاق الأزواج.. تسبب الخلاف فيما بين الناس.. تسبب الجرائم.. تسبب قطع العلاقات.. تسبب قطع الأرحام فيما بين الناس.. فلعلنا نستطيع التحكم.. فيتحكم كل واحد منا بغضبه ويطبق بعض هذه المعاني التي عرضنا لها في هذه الخطبة..  نسأل الله عز وجل أن يعلمنا وأن يلهمنا السكينة والحلم.. وأن يلهمنا حسن الخلق ومتابعة لنبي -عليه الصلاة والسلام- في أقواله وأفعاله وأحواله.. إنه سبحانه سميع قريب مجيب.. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه......