« عودة
بر الأمهات » ع
[2008-03-27]

سلسلة خطب أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-

الخطبة السادسة

بِرُّ الأُمَّهَات

13/ربيع الأول/1429هـ الموافق لـ 21/آذار/2008م

الحمد لله.. الحمد لله ثم الحمد لله.. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.. الحمد لله نحمده.. ونستعينه ونستهديه ونستغفره.. ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.. يا باسط الأرض ورافع السماء.. يا منزل الغيث ورافع البلاء.. يا مجيب المضطرين في السراء والضراء يا سميع الدعاء.. يامن أحاط علمه بدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في دياجير الظلماء.. يا من من فيض جوده الوجود والنعماء.. يا حكيماً حارت في حكمته عقول الحكماء.. لك الحمد والثناء.. والجد والسناء.. والقدم والبقاء.. والعظمة والكبرياء.. سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.. عز جارك.. وجل ثناؤك.. ولا إله غيرك.. ولا خير إلا خيرك.. ولك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد.. الفرد الصمد.. الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه.. أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد عباد الله.. أوصيكم ونفسي المذنبة الخاطئة بتقوى الله.. وأحثكم على طاعة الله.. فاتقوا الله عباد الله.. اتقوا الله تعالى في أنفسكم .. اتقوا الله تعالى في أهليكم وأولادكم .. اتقوا الله تعالى في أموالكم وتجاراتكم .. اتقوا الله تعالى في عباداتكم ومعاملاتكم.. اتقوا الله تعالى بالوقوف عند حدوده .. اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.. واعلموا أن الله تعالى يقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم* يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).

أيها الأخوة المؤمنون.. ما زلنا نتفيأ ظلال أخلاق المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-.. شجرة وارفة بعد شجرة.. وروضة غناء بعد روضة.. واليوم عيد الأم.. أو يوم الأم العالمي.. يذكر ذلك القاصي والداني من بلادنا ومن بلاد الغرب.. وهو أمر أول ما أقول فيه أننا نأسف له.. نأسف أننا نحتاج إلى من يذكرنا بالأم.. نأسف أننا نحتاج إلى بلاد الغرب وإلى الكفار ليلفتوا أنظارنا إلى واجب بر الوالدين.. وهو أصل عظيم من أصول ديننا، أمرنا الله تبارك وتعالى به، وقرنه بعبادته وعدم الإشراك به..

سنتحدث إن شاء الله تبارك وتعالى عن بر النبي -عليه الصلاة والسلام- بأمهاته.. ويجري الحديث في أثناء ذلك عن التحذير من تقليد الغرب والجري وراء الكفار واتباع سنن أهل الكتاب.. ثم يجري الحديث بعد ذلك إن شاء الله (بقدر ما يسمح به الوقت ويمليه الاختصار) عن بر الوالدين والطاعة للأب والأم.. ونختم الكلام إن شاء الله تعالى بالتحذير من أن تتحول مجتمعاتنا إلى مجتمعات تحكمها النساء.. وذلك بالغض من دور الأب في قيادة هذا البيت، وما أعطاه الله تبارك وتعالى من واجب الرعاية وحق الطاعة..

يتسائل بعض الناس عن بر النبي -عليه الصلاة والسلام- بأمهاته.. وقد توفيت أمه وهو-صلى الله عليه وسلم- صغير.. أخبر الله تبارك وتعالى عنه فقال: (ألم يجدك يتيماً فآوى).. نعم نشأ النبي -عليه الصلاة والسلام- يتيماً وذلك لحكم بالغة.. لعل أقرب هذه الحكم إلى الأذهان أن يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- إسوة لأمته من بعده.. وأن يكون في حياته ونشأته الشريفة -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- عزاء وسلوان لكل من ينشأ يتيماً.. ولعل من أبعد ذلك عن الأذهان أن الله تبارك وتعالى حجبه عن مصادر التربية والتنشئة والثقافة والتعليم، وأعظم الأثر في ذلك إنما يكون للوالدين.. فكيف كان بره -عليه الصلاة والسلام- بأمه السيدة آمنة بنت وهب؟.. لعل الشائع بين الناس أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يلتفت إليها ولم يذكرها ولم يحن إليها.. فهذا خطأ.. لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو القدوة- كان قدوة في البر بأمه..

والانطباع الشائع فيما بين الناس أيضاً أن والدَي النبي -عليه الصلاة والسلام- في نار جهنم.. نسأل الله السلامة ونعوذ بالله تعالى من مثل هذا الاعتقاد الذي يسيء صاحبه الأدب مع النبي -عليه الصلاة والسلام-.. ويستدل أهل العلم بأدلة معارَضة، وقد تصدى لهذا الموضوع رجل من أئمة الحفاظ.. ومن العلماء الكبار.. هو الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي.. ألف في هذا الموضوع عدة كتب ورسائل.. طبع منها نحو تسع رسائل جمعت في مجموع واحد.. بسط فيها الأدلة على إيمان والدي المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأنهما من أهل الجنة.. وهو موضوع طويل أريد أن آخذه من نهايته.. وأن أعرضه من خاتمته.. وذلك ما ذكره الإمام السيوطي ونقله عن الإمام أبي حفص بن شاهين في كتابه الناسخ والمنسوخ من حديث النبي -صلى الله عليه وآله سلم-: (قال الإمام أبو حفص بن شاهين: حدثنا محمد بن الحسين بن زياد النقاش مولى الأنصار قال حدثنا أحمد بن يحيى الحضرمي بمكة قال حدثنا أبو خزيمة محمد بن يحيى الزهري قال حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه الإمام عروة بن الزبير عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نزل إلى الحجون كئيباً حزيناً فأقام فيه ما شاء الله عز وجل، فقلت: (يا رسول الله، نزلت إلى الحجون كئيباً حزيناً فأقمت فيه ما شاء الله عز وجل، ثم رجعت مسروراً!)، قال: (سألت ربي -عز وجل- فأحيا أمي فآمنت بي ثم ردها).. هذا الحديث أورده الإمام الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات وعده من الموضوعات.. وقد حذر العلماء أشد التحذير من الاعتماد على كتاب الموضوعات للإمام أبي الفرج بن الجوزي، لأنه أدرج فيه الكثير من الضعيف، وأدرج فيه بعض الصحيح.. فقد كان متساهلاً في الحكم على الحديث بالوضع.. متغافلاً عن شواهد الحديث وطرقه.. متغافلاً عن توثيق بعض رواة الحديث.. وقد جاء بعد الإمام أبي الفرج بن الجوزي أئمة كبار.. نظروا في هذا الحديث.. فالإمام أمير المؤمنين أحمد بن علي الشهير بابن حجر العسقلاني، صاحب شرح البخاري الشهير: (فتح الباري شرح صحيح البخاري) الذي قيل فيه: لا هجرة بعد الفتح.. نظر بلسان الميزان للإمام الذهبي.. وقد حكم الإمام الذهبي بجهالة أحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى.. فتتبع الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني إسناد هذا الحديث من رواية ابن شاهين وحكم على الحديث بأنه ضعيف لا موضوع.. فالحديث حديث ضعيف لا موضوع.. والحديث الموضوع حديث كذب..

والكذب المختلق المصنوع على النبي فذلك الموضوع

فالموضوع ليس بحديث وإنما هو كذب على النبي -صلى الله عليه وسلم-.. لكن الحديث الضعيف حديث ضعيف.. فهو حديث من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- لكنَّ رتبتَه من طريق الإسناد ضعفت بضعف بعض رواته.. فإن وجد راو منكر الحديث في إسناد حديث ما؛ يحكم على الإسناد بأنه منكر.. وقد قال الإمام ابن حجر: والمنكر من أقسام الضعيف لا من أقسام الموضوع.. وقد تتبع الحافظ السيوطي رحمه الله تبارك وتعالى طرق هذا الحديث.. فوجد أن للحديث طرقاً أخرى تدور على غير أحمد بن يحيى وغير محمد بن يحيى الزهري.. فوجد له طريقاً عند الإمام أبي بكر الخطيب البغدادي في كتابه: (السابق واللاحق).. وفي تلك الطريق تصريح بأن القصة إنما جرت عام حجة الوداع.. أي: قبل قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- ببضعة أشهر.. حج النبي -عليه الصلاة والسلام- السنة العاشرة للهجرة في ذي الحجة.. ثم قبض -عليه الصلاة والسلام- في ربيع الأول في الثاني عشر منه عام إحدى عشرة للهجرة.. وفي تخريج الإمام ابن شاهين لهذا الحديث في كتاب الناسخ والمنسوخ إشارة إلى أن هذا الحديث قد نسخ ما يعارضه من الأحاديث الواردة في أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال في حق أبيه: (هو في النار)، أو أن الله تبارك وتعالى قد نهاه عن الاستغفار لأمه.. هناك من الأحاديث المتعارضة ما لو وقف الإنسان عنده قد يحكم بوضعه.. يرى حديثاً ثم يرى حديثاً يعارضه فيحكم بوضع الحديث الذي يعارض الحديث الأول، وهذا مسلك الإمام ابن حبان ومسلك الإمام ابن خزيمة، وقد نبه الأئمة إلى خطأ هذا المسلك.. فقال الإمام بدر الدين الزركشي وأصل الكلام للحافظ ابن حجر العسقلاني: (وهذه طريقة ضعيفة).. الطريقة الضعيفة: أي في أن يرد الإنسان الأحاديث الضعاف وأن يحكم بوضع هذه الأحاديث من أجل ثبوت المعنى الأول للأحاديث الصحيحة، ولهذا أمثلة لا نطيل الكلام بذكرها، فإن ذلك يخرج بنا عن الموضوع..

لكنَّ النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو الذي حث على بر الأمهات وقال: (ما زلت أتنقل من الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الزاكيات من لدن أدم إلى أن ولدني أبواي).. عصمه الله تبارك وتعالى وحماه من سفاح الجاهلية.. يقول الإمام ابن السائب الكلبي: (لقد أحصيت للنبي -صلى الله عليه وسلم- خمسمائة أُمٍّ (أي: أم النبي -عليه الصلاة والسلام- وأم أمه وأم أبيه وأم جده وأم أم جده وأم أم أم جده وهكذا..) فما وجدت فيهن سفاحاً قط).. ويقول الإمام السيوطي في كتابه (مسالك الحنفا): (تتبعت أمهات الأنبياء ممن ذكر في الكتاب العزيز فما وجدت أماً لنبي من الأنبياء إلا وذُكِرَ أنها كانت من المؤمنات).. وقد جاء أحد المتأخرين من العلماء والأدباء في المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فبين فضل السيدة آمنة وهي أم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمنا جميعاً.. جاء السيد محمد أمين الكتبي -رحمه الله تعالى- فنظم أبياتاً في مدح السيدة آمنة -رضي الله تعالى عنها- فقال:

الله شاءك أن تكوني فينا                 أماً لخير المرسلين حنوناً
فاختارك المولى لحمل أمانة               فخلقت آمنة وضعت أميناً
لله أحشاءٌ توسَّدَ أحمدٌ                     جنباتها حنَّتْ عليه جنيناً
لله أصلابٌ تنقَّل أحمدٌ                     فيها فطابت أظهراً وبطوناً
يا من كسوتِ الدَّهرَ أجملَ حُلَّةٍ         وجعلتِ دُرَّةَ تاجه الإثنَينا
جهلوا مقامك حين قالوا قولةً           ولقد أساؤوا بالنبي ظنوناً
ترجوه أمته وتيأسُ أمّهُ؟!                 حاشاه وهو ببرِّهَا يوصينا
ولسوف يرضيه الإله فهل تُرى          يَرضى لآمنةٍ تذوق الهُونا؟
فتَكَرَّمي وتشَرَّفي ولدى النبيـ           ـي تشفَّعي فهو المشَفَّعُ فينا
وتلطَّفي وتذكَّري ذريةَ الز هراء فالجدات أكثر لينا

لكنَّ في السيرة النبوية المشرفة أدلةً أخرى على تكريم النبي -صلى الله عليه وسلم- للأمهات.. فنحن نعلم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قد أرضعته بضع نسوة.. وقد ثبت أن من أمهاته من الرضاعة: حليمة السعدية.. وروي أن ثويبة مولاة أبي لهب أرضعته.. وفي بعض الروايات أن أم أيمن بركة الحبشية مولاة أبيه سيدنا عبد الله قد أرضعته أيضاً وهي رواية ضعيفة.

أما حليمة السعدية فقصة رضاع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بني سعد وقصة أخذها للنبي -صلى الله عليه وسلم- قصة مشهورة يعرفها الصغير والكبير ويعلمها القاصي والداني.. ولكنْ قصة مجيئ السيدة حليمة بعد ذلك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض الروايات يوم حنين، جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فبسط لها رداءه.. وفي بعض الروايات أنها جاءت تأمر وتنهى فبسط لها النبي -صلى الله عليه وسلم- رداءه وقال: (إنها أمي التي أرضعتني)..

أما أم أيمن بركة الحبشية فهي تلك المرأة السوداء التي كانت تخدم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وقد حضنته -صلى الله عليه وسلم- ورعته بعد وفاة أمه وكان يقول فيها -صلى الله عليه وسلم-: (إنها أمي بعد أمي).. وكان يزورها ويتفقدها ويتعاهدها.. وقد عمل بذلك سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما، وهما الشيخان في هذه الأمة- فكانا يزوران السيدة أم أيمن اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وتأسياً به، وقد انتقلت إلى الرفيق الأعلى بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- بنحو ستة أشهر أو سبعة أشهر.. وفي بعض المرار.. خرج أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- يزوران السيدة أم أيمن حاضنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فرأياها تبكي.. فجعلا يبكيان.. أبكتهما.. فظنا أنها تبكي لفقد الحبيب الأعظم سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهي التي حضنته وحملته ورعته بعد أمه.. فقالت: (والله ما أبكي لفقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكنما أبكي لانقطاع خبر السماء عن الأرض).. انظروا إلى هذه الفطنة.. قالت: والله ما أبكي لفقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- حي في قبره الشريف أجمعت على ذلك الأمة.. حتى الإمام ابن القيم الجوزية يقول: (والنبي -عليه الصلاة والسلام- حي طري في قبره)..

ونحن ربما لبعد أذهاننا وبعد عهدنا بأساليب الحياة ربما نستغرب ذلك.. ولولا أننا نرى السمك يعيش في الماء ويتنفس في الماء لاستغربنا ذلك أشد الاستغراب لو عرض علينا أو قصت علينا أخباره.. وقد قص علماء الحيوان المسلمون خبر حيوان يسمى السمندل يعيش في النار ويتنفس في النار ولايحترق.. وتصنع من جلوده المناديل تهدى إلى الملوك.. ذكر ذلك علماء الحيوان كالدميري وغيره.. فإذا قيل لك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حي في قبره الشريف -صلى الله عليه وسلم- فلا تقس حياته على حياتك أنت.. ولا تقل كيف يمكن أن يتنفس وكيف يمكن أن يتحرك، لأن القياس لا يكون في مثل هذه الأبواب.. ولا مدخل للعقول في تفسير المعجزات.. لأن المعجزات إنما هي خوارق للعادات.. تخرق العادات التي جعلها الله تبارك وتعالى سنناً للحياة تجري أمام الإنسان في الغالب.. بالحكم الأعم الأغلب لا بالحكم العقلي القاطع..

لذلك تنبهت السيدة أم أيمن فقالت: ما أبكي لفقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإنما أبكي لانقطاع خبر السماء عن الأرض.. لأن جبريل لا ينزل بالوحي بعد ذلك.. كان إذا نزل الأمر بالمسلمين يأتون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيفتيهم.. أو ينتظر خبر السماء فينزل عليه جبريل بالوحي من السماء.. ومع قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- انقطع خبر السماء عن الأرض فلا يجوز لأحد أن يقول نزل جبريل علي بكذا وكذا، ويُعَدُّ ذلك من المكفِّرات.. جبريل الأمين لا ينزل إلا على الأنبياء وانقطع نزوله بقبض المصطفى -عليه الصلاة والسلام-.. هذه فطنة السيدة أم أيمن التي كان يقول عنها النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إنها أمي بعد أمي)..

هذا يوم الأم أيها الإخوة المؤمنون.. ونحن نأسف أننا نحتاج إلى أن نُذَكَّرَ بواجب بر الآباء والأمهات.. نحتاج إلى من يأتي إلينا من بلاد الغرب يلفت أنظارنا إلى هذه الأصول العظيمة في ديننا (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً).. ماذا تريدون بعد ذلك؟.. بعد أن حكم الله تبارك وتعالى وأمر؟.. (وقضى ربك) أي: وأمر ربك.. (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) فقرن شكر الوالدين بشكره سبحانه وتعالى.. فجعل شكر الوالدين تابعاً لشكره سبحانه وتعالى..

عندما نستذكر مثل هذه الأيام ينبغي أن نتنبه لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحيح: (لتَتَّبِعنَّ سَنن من كان قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دخل أحدهم جحر ضبٍّ لدخلتموه).. وفي الحديث الصحيح الآخر قال -عليه الصلاة والسلام-: (..وخالفوا أهل الكتاب) وفي أول الحديث روايات منها: (إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون) قال: (تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب).. قالوا: (إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفِّرون سبالهم) قال: (قصوا سبالكم ووفِّروا عثانينكم -أي: قص الشارب وتوفير اللحى- وخالفوا أهل الكتاب)..

يسألني بعض الناس: ألا يجوز للإنسان أن يترك شعره؟ أقول: بلى، ولكن إذا أردت أن تترك شعرك اترك معه لحيتك.. نعم دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- (كما تروي السيدة أم هانئ) مكة يوم الفتح وله أربع غدائر.. وكان شعر النبي -صلى الله عليه وسلم- يطول حتى يصل إلى شحمتي أذنيه.. ولكن إطالة الشعر مع حلق اللحية فيه تشبه بالنساء وقد أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الله تعالى يلعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.. نعم يمكن أن تقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأن تترك شعرك واترك معه لحيتك، لا مانع من ذلك..

أما أن نقلد أهل الكتاب.. أما أن نقلد اليهود والنصارى.. أن نقلد أمم الغرب في كل ما يأتوننا به فهذا أمر خطير.. حذَّر منه النبي -صلى الله عليه وسلم-.. وهو في هذا العصر من آثار ما يسمى بالعولمة.. تحولت عاداتنا إلى عادات غربية.. في الطعام، في الشراب، في اللباس.. اللباس الجينز!.. الطعام ماكدونالد!.. الشراب كوكاكولا!.. حتى في الجزيرة العربية وفي الحرمين الشريفين!.. في التلفزيون.. شو تايم!.. ستار أكاديمي!.. بيغ براذر!.. هذه هي الثقافة التي تنتشر فيما بيننا اليوم.. حتى أنسونا التاريخ الهجري!.. وصرنا نتعلق بالرابع عشر من شباط لأنه يوم الحب!.. وصرنا نتعلق بالحادي والعشرين من آذار لأنه يوم الأم العالمي!.. ونتعلق بيوم كذا ونتعلق بيوم كذا، حسب ما تمليه علينا أمم الغرب.. حسب هذه التقويمات المسيحية.. وإنما ينبغي أن ترتبط مواسمنا وأيامنا بالتاريخ الهجري.. بالتاريخ القمري الذي تتعلق به الأحكام.. لو نذر إنسان أن يصوم شهراً ماذا يصوم؟.. يصوم شهر آب أو أيلول؟!.. يصوم ثلاثين أو واحداً وثلاثين يوماً؟!..لا.. لو نذر إنسان أن يصوم شهراً يصوم شهراً عربياً قمرياً.. يكون تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً.. الحول في الزكاة.. إذا حال الحول أي إذا انقضت سنة.. سنة هجرية أم سنة ميلادية؟.. لا.. الحول إنما يعتد به بالأشهر القمرية.. فالسنة الهجرية عليها مدار الأحكام.. وهي ما ينبغي أن ننطلق منه في معرفة تاريخنا والرجوع إلى حضارتنا.. فنحن أمة الحضارة.. نحن أمة الأخلاق.. لا يجوز أن ننساق وراء أمم الغرب.. وأن نكون إمَّعَة وراء تلك الأمم نقلدهم في كل ما يأتوننا به..

نعم الاحتفال بالأم واجب.. وتعظيم الأم واجب.. نعم تكريم الأمهات من أعظم الواجبات.. وقد بين النبي -عليه الصلاة والسلام- ذلك لما سأله ذلك الأعرابي: (من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) مبيناً -عليه الصلاة والسلام- واجب التنبه لحقوق النساء وحقوق الأمهات ورعاية الأمهات وإعطائهن ما قصَّر فيه العرب قبل الإسلام من الحقوق.. وهذا من أحكام الإسلام التي جاء بها رفعاً لشأن المرأة.. الإسلام كرم النساء.. الإسلام رفع شأن المرأة.. ولكن لا يجوز أن ننساق أيضاً في هذه الأيام وراء الغرب في جعل مجتمعنا مجتمعاً تقوده النساء.. السيادة في البيت للرجال بما قاله الله تبارك وتعالى وأخبر به: (الرجال قوامون على النساء) فالطاعة في البيت إنما هي لرب البيت.. لرب الأسرة.. للرجل.. وتجب طاعة الرجل في البيت على المرأة وعلى الأولاد.. نحن نكرم الأمهات ونكرم النساء ونكرم البنات.. ولكن لا نريد لمجتمعاتنا أن تتحول إلى مجتمعات تقودها النساء.. فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند: (إذا كان أمراؤكم شراركم وأمركم إلى نسائكم فانتظر الساعة) أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله...