« عودة
الصدق (2) » ع
[2008-03-22]

سلسلة خطب أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-

                        

الخطبة الخامسة

الصدق(2)

6/ربيع الأول/1429هـ الموافق لـ 14/آذار/2008م

 

   الحمد لله... الحمد لله ثم الحمد لله... الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله... الحمد لله نحمده... ونستعينه ونستهديه ونستغفره... ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا... من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً..

   وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد.. الفرد الصمد.. الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمداًعبد الله ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه.. أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.. أرسله على فترة من الرسل.. ودروس من السبل.. فهدى به بعد الضلالة.. وأرشد به بعد الحيرة.. فتح به آذاناً صماً.. وأعيناً عمياً.. وقلوباً غلفاً.. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين.. والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.. أما بعد عباد الله.. أوصيكم ونفسي المذنبة الخاطئة بتقوى الله.. وأحثكم على طاعة الله.. فاتقوا الله عباد الله.. اتقوا الله تعالى بالوقوف عند حدوده .. اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.. اتقوا الله تعالى في أنفسكم .. اتقوا الله تعالى في أهليكم وأولادكم .. اتقوا الله تعالى في أموالكم وتجاراتكم وأعمالكم.. واعلموا أن الله تعالى يقول: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم* يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).

   يطل علينا شهر ربيع الأول.. فيدعوا الغافلين منا والمعرضين إلى سنة النبي        -صلى الله عليه وآله وسلم-.. ويذكر الناسين منا والغافلين بأخلاق الحبيب الأعظم سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.. الذي كمله الله تبارك وتعالى وشرفه وفضله على جميع الخلق.. يأتي شهر ربيع كل عام لتحتفل القلوب باتباع السنة.. ولتحيا الأرواح بذكر الحبيب -صلى الله عليه وآله وسلم-.. ولا أجمل ولا أفضل في هذه الأيام التي نستذكر فيها ميلاده -صلى الله عليه وآله وسلم- من أن نقتدي به.. من أن نتأسى بسيرته.. من أن نتخلق بأخلاقه.. من أن نتبع خطواته.. من أن نعض بالنواجذ على سنته -صلى الله عليه وسلم..

   ومن جملة ما تكلمنا فيه: الصدق.. ولا شك أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أعظم خلق الله اتصافاً بهذه الصفة الجليلة.. الصدق.. لا شك أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- اتصف بهذه الصفة إلى الغاية.. وهذه الصفة واجبة له.. بل واجبة لجميع الأنبياء والمرسلين.. فلا يمكن أن يبعث الله -تبارك وتعالى- نبياً غير متصف بالصدق.. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- صادق في كل ما يخبر به.. لا يخبر إلا بالحق.. ولا يتكلم إلا بالصدق.. عرف ذلك أعداؤه قبل أصحابه..

   وأول ما نبتدئ به في هذا السياق هو حديث أخرجه الإمام البخاري في الصحيح.. في كتاب بدء الوحي.. وهو أول أبواب الجامع الصحيح للإمام البخاري.. والحديث حديث طويل.. ولكننا سنجتزئ منه موضع الشاهد.. الحديث يعرف باسم حديث هرقل.. وذلك أن أبا سفيان كان في تجارة إلى الشام.. خرج مع نفر من قريش يبتغون تجارة في بلاد الشام في المدة التي مادَّ فيها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قريشاً، أي بعد صلح الحديبية.. وتعرفون أن النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد صلح الحديبية تفرغ لتبليغ الدعوة الإسلامية إلى ملوك الآفاق.. فابتدأ بإرسال الرسل إلى أطراف الجزيرة العربية.. ثم بعد ذلك إلى هرقل ملك الروم.. وإلى كسرى ملك الفرس.. وصادف أن هرقل كان في تلك المدة قد نذر أن يحج ماشياً إلى بيت المقدس.. بعد أن نصره الله -تبارك وتعالى- على ملك الفرس.. وهي القصة التي جاءت في قول الله    -تبارك وتعالى- في أول سورة الروم: ( الم*غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون*في بضع سنين لله..) كانت هناك حروب متتالية بين الروم والفرس.. وكانت قلوب المسلمين في مكة مع الروم لأنهم أهل كتاب.. وكانت قلوب المشركين مع الفرس.. فلما انتصر الفرس على الروم كأن المشركين أخذتهم الشماتة بالمسلمين.. لكن الله -تبارك وتعالى- أنزل هذه الآيات: (الم*غلبت الروم في أدنى الأرض) نعم.. انهزم الروم وغلبوا لكن.. (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) أي سيغلبون عدوهم وينتصرون على الفرس.. من أجل ذلك قام أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- بالمراهنة مع بعض المشركين.. وأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بزيادة خطر الرهن.. أي بزيادة المقدار الذي تراهن عليه على أن الروم ستغلب وعلى أن الروم ستنتصر.. فانتصرت الروم وتحقق ما وعد الله -تبارك وتعالى- به وأخبر به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. فنذر هرقل أن يحج ماشياً إلى بيت المقدس.. وكان في تلك المدة في دمشق.. فجاءه كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين..) أي إثم من يتبعه من الفلاحين ومن عموم الناس.. لما جاءه هذا الكتاب أراد أن يعلم خبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.. من هذا الرجل الذي يدعو إلى عبادة الله؟.. من هذا الرجل الذي يتجرأ على مخاطبة الملوك بذلك؟.. أول قاعدة هي أن تسأل عن أخبار هذا الرجل.. أن تسأل بني قومه.. أن تسأل أهله.. أقرباءه.. فقال: انظروا هل من أهل بلده أحد؟.. (كان أبو سفيان في تجارة في الشام.. ولم يكن أبو سفيان قد دخل في الإسلام.. وكان زعيم قريش.. وكان رأس الكفر بعد مقتل أبي جهل في غزوة بدر..) فجاء أبو سفيان.. انظروا إلى طريقة ترتيب هرقل لأبي سفيان وأصحابه.. قدَّم أبا سفيان وأخَّر أصحابه التجار من قريش.. وقال لأصحابه: (إني سائل هذا الرجل عن مسائل، فإن صَدَقني فصدِّقوه، وإن كَذَبني فكذِّبوه).. أي قال لهم: إن أخبر أبو سفيان بالصدق فقولوا: نعم (بالإشارة).. وإن أخبر بالكذب فقولوا: لا.. لماذا؟.. لأن العرب كانت تعرف بأنها لا تكذب.. هذه كانت خصلة ومزية للعرب قبل الإسلام.. بقية أخلاق.. تَمَسَّك بها العرب.. لذلك أقول: حتى لو لم توجد الأديان هناك فضائل اجتمعت الأمم على التمسُّك بها.. هذه الفضائل يعرفها كل عاقل.. يحفظها كل لبيب.. إذا أردت أن لا تفتقر وأن لا تحتاج الناس فلا تأكل أموالهم.. هذه قاعدة.. كما تدين تدان.. صنائع المعروف تقي مصارع السوء.. إذا أردت أن لا يكذب عليك أحد في الحديث فلا تكذب على أحد.. إذا أردت أن يصدقك الناس فاصدق الناس.. العرب قبل الإسلام كانت عندهم بقية فضائل.. أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الحسن الذي أخرجه أبو داوود في سننه وغيره  (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) وفي رواية: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. من ذلك الصدق والخوف من الكذب.. كان الرجل إذا كذب الكذبة الواحدة يعيَّر بها مدة عمره وبقية حياته.. فلان كذب يوم كذا.. أبو سفيان عدو النبي -صلى الله عليه وسلم- في تلك الأيام.. وهو يُسأل عن أخبار النبي -صلى الله عليه وسلم-.. سأله هرقل أسئلة معيَّنة.. هل يغدر؟.. قال: لا.. قال: هل قال هذا القول أحد قبله فهو يتأسَّى به؟.. قال: لا.. قال: هل كان من آبائه مِن مَلِكٍ فهو يطلب مُلكَ آبائه؟.. قال: لا.. كلما سأله سؤالاً كان يجيبه بالجواب الصدق.. قال: أصحابه يزيدون أو ينقصون؟.. قال: بل يزيدون.. وإلى هذه الأيام.. من أيام النبي-صلى الله عليه وسلم-.. من تلك القصة.. من حديث أبي سفيان وهرقل.. والمسلمون يزيدون بفضل الله -تبارك وتعالى-.. وأنا لا أتحدث عن الازدياد في الولادة.. وإنما أتحدث عن الازدياد في دخول الإسلام.. باعتناق الإسلام.. بترداد كلمة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.. في الشرق والغرب.. في الصين.. في أوروبا.. في كندا.. في جنوب إفريقيا.. في كل البلاد المسلمون يوماً بعد يوم في ازدياد -ولله الحمد-.. لم يستطع أبو سفيان أن يدس دساً ولو يسيراً في كلامه أمام هرقل.. لمّا سأله: هل يكذب؟.. قال: لا.. الدس الوحيد الذي استطاعه هو أن يشكك في المستقبل لمَّا قال له: هل يغدر؟ قال: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها.. نحن الآن بيننا وبينه عهد لا ندري ما هو فاعل فيه.. ما استطاع أن يدس ولا كلمة واحدة فيها تنقيص للنبي -عليه الصلاة والسلام- وهو عدو النبي وعدو الإسلام والمسلمين..

   هذه شهادة جاءت من قريش.. لو رجعنا إلى القرآن الكريم نرى أنهم قالوا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنه ساحر.. قالوا فيه: إنه كاهن.. قالوا فيه: إنه يعلِّمه بشر.. قالوا فيه: إنه مجنون.. لكن ما استطاعوا أن يتهمومه بالكذب على الإطلاق.. لذلك لما صعد النبي -عليه الصلاة والسلام- على الصفا بعد أن نزل عليه قول الله -تبارك وتعالى-: (وأنذر عشيرتك الأقربين) ونادى: يا بني فلان.. يا بني فلان.. واجتمعت له قريش.. قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاًًًًًًًًًًًًًًًًًًًَََََ وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقِيَّ؟.. قالوا: ما جربنا عليك كذباًً قط.. ما جربنا عليك كذباً قط.. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد..

   هذا هو صدق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي شهدت به الأعداء..

 ومليحة شهدت لها ضراتها   والفضل ما شهدت به الأعداء..

 ولو أن قريشاً كانت عندهم حادثة واحدة أو اتهام واحد للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالكذب لما أخفوا ذلك.. لأعلنوه وجاهروا به.. ولكن الله سبحانه وتعالى أظهر صدقه في كل مناسبة..

   الناحية الأخرى من صدق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هي ما ينبغي أن يعود علينا وأن ننتفع به.. إذا قلنا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- صادق في كل ما يخبر به هل يجوز لأحد أن يشك في حديث من أحاديث النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مما ثبت؟.. هل يجوز لأحد أن يرد بعض أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقول هذا لا يقبله العقل؟.. هل يجوز لأحد أن يحكِّم العقل أمام أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- والله -تبارك وتعالى- يقول في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى)؟.. (وما ينطق عن الهوى) أي ما يتكلم في هوى كسائر البشر.. الإنسان يتكلم فيما يسرُّه فيبالغ فيه.. ويتكلم فيما يضرُّه فيخفيه.. ولكنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- (وما ينطق عن الهوى).. وكما قال بعض الصحابة الكرام: (لو كان النبي -عليه الصلاة والسلام- كاتماً شيئاً من الوحي لكتم مثل قول الله -تبارك وتعالى-: (عبس وتولى*أن جاءه الأعمى) أو مثل قول الله         -تبارك وتعالى-: (عفى الله عنك لم أذنت لهم)).. مع أن هذه السور كمال للنبي -صلى الله عليه وسلم- جاءت لتأكيد صدق النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيان أنه لا يكتم شيئاً أنزله الله -تبارك وتعالى- عليه.. ولا يحرف شيئاً ولا يغيره ولا يبدله.. والعتاب في هذه الآيات لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لا للنبي -عليه الصلاة والسلام- لأن الاجتهاد كان من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والتقصير كان من بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. والنبي في غاية الكمال.. وفي أعلى درجات العصمة -صلى الله عليه وآله وسلم-..

   إذن نستفيد من هذا أننا يجب أن نتخلق بخلق الصدق اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن نصدق لا عند الرخاء فحسب بل عند الشدة أيضاً.. الصدق وقت الرخاء أمر هين.. لكن الصدق وقت الشدة..

   انظروا قصة سيدنا أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- بماذا سمي صديقاًَ؟.. سيدنا أبو بكر الصديق اشتهر بكنيته.. كان اسمه: (عبد الله).. وأبوه: (أبو قحافة) اشتهر أيضاً بكنيته واسمه: (عثمان).. فسيدنا أبو بكر اسمه: (عبد الله بن عثمان).. اشتهر بـ (أبي بكرالصديق).. لكن لماذا سمي بالصديق؟.. كانت من أشراف قريش قبل الإسلام.. وكانت له فضائل.. كانت قريش تترقب يوماً تصيد فيه هذا الرجل لتبعده عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.. وأقول: من جملة أدلة صدق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن أول من اتبعه أقرب الناس إليه.. من هم هؤلاء؟.. السيدة خديجة بنت خويلد زوجه.. سيدنا أبو بكر الصديق صاحبه.. وصحبة أبي بكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- تمتد قبل الإسلام.. قبل الدعوة من شباب النبي -صلى الله عليه وسلم-.. فهو يعرفه معرفة تامة.. علي بن أبي طالب ربيبه.. تربى في بيت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لفقر أبي طالب.. اتفق النبي -صلى الله عليه وسلم- وعمه العباس على أن يخفِّفا عن أبي طالب بعض النفقة على عياله.. فأخذ العباس جعفر بن أبي طالب فربَّاه عنده.. وأخذ النبي -عليه الصلاة والسلام- سيدنا علي بن أبي طالب ورباه في بيته.. ولما أسري بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هرعت قريش إلى أبي بكر الصديق قبل أن يخبره النبي -عليه الصلاة والسلام- فقالوا له: إن صاحبك يزعم أنه قد أسري به وأنه قد خرج إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ورجع.. ماذا كان جوابه؟.. ربما الواحد منا لو أخبر بالخبر لقال: هل قال ذلك.. نعم؟.. ماذا قلت؟.. أعد عليَّ القول.. لكنْ أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- سمي بالصديق لمسارعته في التصديق.. أول ما قاله: ( إن كان قال ذلك فقد صدق).. لم يتردد.. لم يسأل.. لم يحقق في الخبر.. يعني أنه يؤمن إيماناً مطلقاً بصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل ما يقوله.. قالوا: كيف تصدِّقه؟.. قال: (أصدِّقه فيما هو أبعد من ذلك، في خبر السماء في غدوة أو روحة).. يرجع أبو بكر إلى بيته في المساء ثم يغدو إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الصباح فيقول له النبي -صلى الله عليه وسلم- أنزل علي من كلام الله -تبارك وتعالى- كذا وكذا فيصدقه في ذلك.. فسمي بذلك: الصديق..

   قيجب علينا أن نتأسى بصدق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وأن نأخذ الأمثلة من أصحابه الكرام ممن كان حوله -صلى الله عليه وآله سلم- لنَصْدُقَ في كل خبر.. سألك سائل: ماذا فعلت بهذه التجارة؟.. كم رأس مالك في هذه التجارة؟.. إما أن تقول له: لا أريد أن أخبرك.. أو أن تسكت.. لكنْ أن تخبر بالكذب من أجل شيئ من الربح؟!.. من أجل عرض من الدنيا قليل؟!.. يفنى الإنسان.. ويفنى المال.. وتفنى التجارات.. ويفنى كل ذلك.. ويبقى الكذب في ديوانك يوم القيامة.. تعرض الصحف وتعرض الأعمال يوم القيامة.. أين المال؟.. أين التجارة؟.. كل ذلك ذهب.. كل ذلك متاع قليل.. لكن يبقى الكذب..

   الصدق ينجي في المهالك.. فنريد إذاًً أن نتحلى بشيئ من الشجاعة لنَصْدُق إخواننا وأصحابنا ونعلّم أبناءنا الصغار الصدق.. الولد إذا صنع شيئاً خطيراً.. قل له: يا ولد إن صدقت لا أعاقبك.. أخبرني بالصدق ولك مكافأة.. ينبغي أن نحث أبناءنا وأن نحث إخواننا من التجار وأصحاب الأعمال على الصدق..

   ثم كل ما جاءنا عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مما ثبت من الحديث من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله نقبل به ونصدقه ولا نعترض.. أسوأ صفة يتحلى بها الإنسان هي الاعتراض.. إذا ذهبت إلى الطبيب تتطبَّبُ وأنت مريض، يقول لك الطبيب: هذا الدواء، تقول له: لماذا؟!.. ينبغي أن تسمع لكلامه.. لأنه أنفق نصف عمره في دراسة الطب.. وهكذا نحن إذا أخبرنا العلماء بأن هذا الحديث حديث صحيح كما جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم أو ما حكم عليه الأئمة بالصحة كالإمام السيوطي في الجامع الصغير وغيره.. كل ما ثبت أنه من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- نصدِّق به ولا نعترض وندع علم معناه للنبي -صلى الله عليه وسلم-.. نقول: (رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً وبسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- نبياً ورسولاً) نقول: آمنا بالله.. وبكل ما جاء من عند الله.. على مراد الله.. وصدقنا برسول الله.. وبكل ما جاء به رسول الله.. على مراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.. فاستغفروه فيا فوز المستغفرين..