سلسلة خطب أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-

 

الخطبة الأولى

الأسوة الحسنة

8/صفر/1429هـ الموافق لـ 15/شباط/2008م

  

    الحمد لله... الحمد لله ثم الحمد لله... الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله... الحمد لله نحمده... ونستعينه ونستهديه ونستغفره... ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا... من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.. يا باسط الأرض ورافع السماء.. يا منزل الغيث ورافع البلاء.. يا مجيب المضطرين في السراء والضراء يا سميع الدعاء.. يامن أحاط علمه بدبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في دياجير الظلماء.. يا من من فيض جوده الوجود والنعماء.. يا حكيماً حارت في حكمته عقول الحكماء.. لك الحمد والثناء.. والجد والسناء.. والقدم والبقاء.. والعظمة والكبرياء.. سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.. عز جارك.. وجل ثناؤك.. ولا إله غيرك.. ولا خير إلا خيرك.. ولك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد.. الفرد الصمد.. الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.. وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداًعبد الله ورسوله وصفيه وخليله وخيرته من خلقه.. أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.. أرسله على فترة من الرسل.. ودروس من السبل.. فهدى به بعد الضلالة.. وأرشد به بعد الحيرة.. فتح به آذاناً صماً.. وأعيناً عمياً.. وقلوباً غلفاً.. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.. وصحابته الغر الميامين.. والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.. وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

    أما بعد عباد الله.. أوصيكم ونفسي المذنبة الخاطئة بتقوى الله.. وأحثكم على طاعة الله.. فاتقوا الله عباد الله.. اتقوا الله تعالى في أنفسكم .. اتقوا الله تعالى في أهليكم وأولادكم .. اتقوا الله تعالى في أموالكم وتجاراتكم .. اتقوا الله تعالى بالوقوف عند حدوده .. اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.. (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم*يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).

    أيها الإخوة المؤمنون... نستفتح هذه الخطب المباركة بإذن الله تبارك وتعالى بالحديث عن أخلاق النبي المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-.. وقد شرفني الله تبارك وتعالى بأن أكون خطيباً في هذا المسجد بين أيديكم.. وهي صلة وصل أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل فيها النفع لي وللمسلمين.. ويجعلها بداية طيبة فيما بيننا.. حيث نتبادل الأفكار والآراء.. حيث نتواصل بالنصائح والعظات.. فالخطيب يخطب كل جمعة مبلغاً عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ولكن ذلك لا يعني أن للخطيب سلطاناً يحكم به هذا إلى الجنة وهذا إلى النار.. فأنا أحوج الناس إلى الوعظ والإرشاد.. وأنا أمس حاجة إلى التذكير.. فحيثما ذكّرت فإنما أذكر نفسي.. وحيثما وعظت فإنما أعظ نفسي.. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل بداية خطبنا هذه باباً للرجوع إلى المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- وإلى سنته.. وسيكون موضوع الخطب: سلسلة أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم-.. نأخذ خلقاً خلقاً.. في كل جمعة نتناول خلقاً من أخلاق المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- فنذكر مرجعه من كتاب الله المجيد.. وشواهده من حديث المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-.. أو وصف الصحابة الكرام له عليه الصلاة والسلام.. ثم نذكر حاجة الناس إلى هذا الخلق في هذا العصر.. فنحن نصف الدواء للداء وما لم يضع الطبيب يده على الداء لا يمكن أن ينفع الدواء.. والأمة في هذا العصر لا تحتاج إلى حفاظ فالحفاظ كثر.. ولا تحتاج إلى كتب ومصنفات فما أكثر الكتب والمصنفات في المكتبات.. ولكنها تحتاج إلى عمل.. إلى اتباع.. إلى خلق.. ولا أعظم من هذا المثال الكامل النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- يقتدى به ويتبع.. وأحب هنا أن أبين لماذا كمل الله تبارك وتعالى خلق النبي -صلى الله عليه وسلم-.. قد يظن البعض أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما وصل إلى ذلك بالدربة والمران والتربية.. نقول: لا.. من أجل ذلك جعله الله تعالى يتيماً.. نشأ يتيماً.. (ألم يجدك يتيماً فآوى).. آواه الله تبارك وتعالى إليه وأدبه فكان أدبه أدباً من الله تبارك وتعالى وهبة منه سبحانه.. لا تربية وتنشئة من الخلق.. ثم بعد ذلك أراد الله تبارك وتعالى أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قدوة حسنة.. أسوة حسنة للبشرية جمعاء.. لا لأصحابه وأهل عصره فحسب.. وإنما للأجيال القادمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. قال الله تبارك وتعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر).. أسوة حسنة أي: قدوة.. كيف يقتدي الإنسان بآخر إذا كان المقتدى به ناقصاً؟.. من أجل ذلك كمل الله تبارك وتعالى النبي -عليه الصلاة والسلام-، ونحن نقول: النبي -عليه الصلاة والسلام- أكمل خلق الله عز وجل على الإطلاق.. عصمه الله تعالى من كل نقيصة وحفظه من كل معصية.. وصانه من كل خطأ.. ووقاه من كل زلل.. وهذا أمر ضروري عقلاً، لأنه لو صح أن يخطئ النبي -عليه الصلاة والسلام- كيف يمكن بعد ذلك أن يقتدي به أحد من الخلق؟.. لو أخطأ النبي -عليه الصلاة والسلام- لأخطأ من اتبعه.. لو زل النبي -عليه الصلاة والسلام -لزل من اتبعه.. لو كان في أخلاق المصطفى عليه الصلاة والسلام نقص لكان في أخلاق من اتبعه بعد ذلك نقص وزيغ.. حاشاه -صلى الله عليه وسلم-.. كمله الله عز وجل وعصمه وحفظه ووقاه وجعله أنموذجاً للبشرية يحتذون حذوه ويسيرون خلفه ويقتدون به -صلى الله عليه وسلم-.. من أجل ذلك وصفه الله عز وجل في آيات عديدة من القرآن الكريم بكمال الخلق.. فقال تبارك وتعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم).. وإنك لعلى خلق عظيم.. جاءت هذه الآية وما بعدها من الآيات جواباً للكفار والمشركين في مكة المكرمة -وسورة القمر سورة مكية- لما تقولوا على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وآذوه وأساؤوا إليه ونسبوه إلى الجنون -صلى الله عليه وآله وسلم وحاشاه ذلك- نصره الله عز وجل وأيده ورد عنه ودفع عنه كلام المشركين.. فقال تبارك و تعالى: ( ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم ).. ومعنى هذه الآية ربما يعزب عن كثير من الناس.. والقرآن الكريم معجز بفصاحته وبلاغته.. ومن أوجه الفصاحة والبلاغة في هذه الآية: استخدام حرف الجر(على) للاستعلاء والتمكن، كما قال تبارك وتعالى في آية الحج مثلاً: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) قال: (ولله على الناس) أي واجب لازم.. فرض على الناس قد لزمهم وتبعهم وركبهم فلا يستطيعون عنه انفكاكاً.. أصل معنى الاستعلاء في الحسيات: (الكتاب على الطاولة) هذا معنى الاستعلاء.. لكن تقول: (ولله على الناس حج البيت) فصار الحج واجباً مستقراً على رؤوس جميع الناس.. إذا أخذنا هذا المعنى وطبقناه على هذه الآية الكريمة: (وإنك لعلى خلق عظيم) نرى أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد تمكن من الأخلاق.. واستعلى عليها.. هذا معنى الاستعلاء.. فكأن الأخلاق قد جمعت له من كل طرف.. وكأن الفضائل والشيم الحميدة قد ضمت إليه -صلى الله عليه وسلم- وجاءت إليه من كل حدب وصوب وهو -صلى الله عليه وآله وسلم- مستقر مستعل على هذه الأخلاق والفضائل.. فكل من رأيت عنده خلقاً حسناً فاعلم أن أصله عند رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.. وكل من رأيت عليه سلوكاً حميداً فاعلم أن مصدره النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم-... عند أهل الشام بعض العادات الحميدة.. إذا رأينا وجهاً جميلاً وجه طفل جميل مثلاً ..أو رأينا زهراً جميلاً.. أو بستاناً أو روضاً أنيقاً.. ماذا نقول؟.. عادة أهل الشام يقولون: (ما شاء الله.. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم).. اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. ما معنى هذا.. ومن أين جاءت مناسبة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عند رؤية الجمال؟.. نقول هذا تذكر بأن أجمل الخلق وأكمل الناس هو سيدنا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.. فكل وجه جميل يذكرك بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. وكل خلق حميد يعيد إليك أخلاق المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-.. فتعلم أنه أكمل الناس.. وتعلم انه أجمل الخلق -صلى الله عليه وآله وسلم- فتصلي عليه عند رؤية كل وجه جميل.. هذا لا لدفع العين ..تدفع العين بذكر الله تبارك وتعالى: (ماشاء الله لاقوة إلا بالله).. ولكن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- إنما هي لتذكر أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- هو أصل الفضائل.. مصدر الأخلاق الحميدة.. لذلك قال تبارك وتعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) وجاء بـ (إن) للتوكيد.. ثم جاء باللام للتوكيد.. ثم نكر الخلق.. قال (خلق) ما قال (على الخلق العظيم)، وإنما قال (وإنك لعلى خلق عظيم) أي خلق عظيم جداً..وحيثما جاءت الكلمة منكرة دلت على أنها لا حدود لها.. فالمعرف له حدود تعرف ولكن المنكر لا تعرف حدوده.. خلق لا تعرف حدوده.. لا تعرف أوصافه.. لأنها لا يحيط بها إلا الله تبارك وتعالى الذي وهبه إياها.. ثم زاد الله تبارك وتعالى بعد ذلك فقال:(عظيم).. عندما نذكر هذه الآيات أيها الأخوة المؤمنون في هذه الأيام.. نذكر الآن ما يجري في بلاد الدنمارك من إساءة للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم..إساءة بعد إساءة.. وإهانة بعد إهانة.. واستخفاف بالمسلمين بعد استخفاف.. ألا يجب علينا أن ننصر دين الله سبحانه؟.. ألا يجب علينا أن ننصر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما نصره الله تبارك وتعالى ورد عنه؟.. كما في هذه الآية لما قالوا مجنون رد الله سبحانه وتعالى فقال: (ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم) لما قال العاص بن وائل السهمي للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أو لقريش واصفاً النبي عليه الصلاة والسلام: (هذا الأبتر) رد الله تبارك وتعالى عنه ودفع عنه فقال: (إنا أعطيناك الكوثر* فصل لربك وانحر*إن شانئك هو الأبتر) رد الله تبارك وتعالى عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما وعد.. (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد).. ولكن ماذا فعلنا نحن لنصرة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-؟.. يقول الله تبارك وتعالى: (الذين آمنوا به -أي بالنبي-صلى الله عليه وآله وسلم- وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون).. لايكفي الإيمان بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. الإيمان به واجب.. بل لابد من طاعته -صلى الله عليه وآله وسلم.. (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول).. (أطيعوا الله ورسوله).. ولا تكفي الطاعة بل لابد من الاتباع.. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).. ولا يكفي الاتباع بل لابد من التوقير والتعظيم والتأدب معه -صلى الله عليه وآله وسلم-.. (لاتجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً).. (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله).. (فالذين آمنوا به وعزروه) أي: وقروه -صلى الله عليه وآله وسلم-، ثم قال: (ونصروه).. لا يكفي الأدب والتوقير.. بل لابد من النصرة والتأييد للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.. (واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون).. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل ما يجري بين الناس من الأحداث وما يستفزنا به أعداء الإسلام حافزاً لنا على اتباع المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- والرجوع إليه، ودافعاً لنا إلى معرفة حقيقة أعداء الله تبارك وتعالى.. وأنهم وإن ظهروا إلينا في ميدان الحوار يلبسون ثياب النعاج.. إلا أنهم يخفون قلوب الذئاب.. وأنهم يتحينون الفرص للقضاء على الإسلام والمسلمين.. وأنهم يعرفون أن مصدر قوة الإسلام والمسلمين إنما هو النبي الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم-.. وأن سر عظمة الإسلام والمسلمين إنما هو هذه الرحمة التي أرسلها الله تبارك وتعالى للبشرية جمعاء.. وما دمنا متمسكين بسنته -صلى الله عليه وآله وسلم- مقبلين عليه.. معظمين له.. متأدبين له.. ناصرين لسنته.. فلن يخشى علينا.. ولن ينال منا أعداؤنا على الإطلاق.. أيها الإخوة المؤمنون.. لن نطيل في هذه الخطب إن شاء الله سنتناول أخلاق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- كما بينت.. وستكون خطبتنا بين عشرين إلى خمس وعشرين دقيقة.. فالبلاغة الاختصار.. ومن فقه الرجل قصر الخطبة وطول الصلاة.. فأسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع أهل هذا الحي وأن يجمع أحباب المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-.. وأن يجمع هذه الأمة على قلب واحد.. معتصمين بحبل الله تبارك وتعالى.. متمسكين بسنة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم.. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.. فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.. أستغفر الله ....